فخر الدين الرازي
57
المطالب العالية من العلم الإلهي
فهذه الداعية هي الموجبة لانتقاله من هذا البلد إلى ذلك ، وهذه الداعية باقية مع جميع الأجزاء الحاصلة في تلك الحركة ، إلا أن الخطوة المتقدمة ، شرط لكون تلك الداعية مؤثرة في حصول الخطوة الثانية ، فإنه لولا أن ذلك الحصول « 1 » إن انتهى بسبب الخطوة الأولى إلى ذلك الحد المعين من المسافة ، وإلا امتنع كون تلك الداعية موجبة لانتقاله من ذلك الحد المعين إلى حدا آخر . فيثبت بهذا : أن المؤثر في جميع هذه الحوادث موجود باقي مبرأ عن جميع جهات التغيرات ، إلا أن تأثيره في حدوث كل حادث متأخر ، مشروط بتقدم الحادث المتقدم ، وهذا يقتضي أن يكون كل حادث مسبوقا بحادث آخر ولا إلى أول . وعند هذا قالوا : ظهر أنه لو انقطع حدوث الحوادث لحظة واحدة ، لامتنع حدوث الحوادث بعد ذلك أبدا ، وظهر أنه لا يمكن إسناد الحوادث المتعاقبة إلى المؤثر القديم ، إلا « 2 » بهذا الطريق . قالوا : وهذا طريق معقول يتيسر على مذهبنا ، ولم يتيسر لأحد من أرباب المذاهب سوانا ، فكان ذلك دليلا على شرف قولنا ، وقوة كلامنا . قال المتكلمون والمحققون : لا شك أنكم بالغتم في التدقيق والتحقيق ، إلا أن البحث الغامض باقي كما كان ، وذلك لأنا نقول : لا شك أن العلة المؤثرية القديمة ، ما كانت موجودة لهذا الحادث المعين ، حال ما كان الحادث المتقدم عليه موجودا ، ثم صارت في الوقت الثاني موجدة لهذا الحادث ، فصيرورة تلك العلة موجدة لهذا الحادث بعد أنها ما كانت كذلك : حكم حادث . فهذا الحكم الحادث ، إما أن يفتقر إلى مؤثر ، وإما أن لا يفتقر إليه . فإن كان الثاني فقد حدث أمر من الأمور لا لمؤثر ، وإذا عقل هذا في البعض ، فليعقل مثله في الكل . وهذا يوجب استغناء الممكن المحدث عن المؤثر . وهو محال . وأما القسم « 3 » الأول : وهو أن يقال : حدوث تلك المؤثرية والموجدية ،
--> ( 1 ) الحيوان انتهى ( 2 ) لا ( ت ) . ( 3 ) والقسم ( ت )